ابن قيم الجوزية
167
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وقد قيل : إن الثمار في آية الكهف وفي آية البقرة المراد بها المنافع والأموال والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها . لقوله في البقرة : لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ثم قال تعالى : فَأَصابَها أي الجنة إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ وفي الكهف : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها ، وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وما ذلك إلا ثمار الجنة . ثم قال تعالى : وَأَصابَهُ الْكِبَرُ هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته ، وتعلق قلبه بها من وجوه . أحدها : أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها . الثاني : أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه . الثالث : أن له ذرية ، فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته . الرابع : أنهم ضعفاء ، فهم كلّ عليه ، لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم الخامس : أن نفقتهم عليه ، لضعفهم وعجزهم . وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة ، لخطرها في نفسها ، وشدة حاجته وذريته إليها . فإذا تصورت هذا الحال وهذه الحاجة ، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار ، وهو الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود وفيها نار ، مرت بتلك الجنة فأحرقتها ، وصيرتها رمادا ، فصدق واللّه الحسن - هذا مثل قل من يعقله من الناس - ولهذا نبه اللّه سبحانه وتعالى على عظم هذا المثل ، وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ . فلو فكر العاقل في هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه فكذلك العبد إذا عمل بطاعة اللّه ثم أتبعها بما يبطلها ويحرقها من معاصي اللّه كانت